من تاريخ المسجد الجامع في الموصل


عمر عبد الغفور القطان
كانت تلك القرية الصغيرة التي وصفت أرضها بالخصوبة وطيب الهواء و القائمة فوق تل قليعات والتي اسماها المؤرخون الحصن العبوري او (حصن عبريا) و المتكونة من ثلاثة أحياء احدها للنصارى والثاني لليهود والثالث للجرامقة كما جاء في كتاب مختصر البلدان ص128 وكانت تسكن محيطها القبائل العربية النصرانية كانت تلك القرية على موعد مع التاريخ في احد أيام عام 16هـ -637م لتتحول إلى احد أهم الحواضر العربية الإسلامية فيما بعد .
فعند فتح الموصل على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)وتمصيرها سنة 22 هـ 643 م حالها حال الكوفة والبصرة التي بناها العرب المسلمون واختط والي الموصل هرثمة بن عرفجة البارقي منازل للعرب فيها وعين لكل قبيلة خطة تنزلها .
جاء في كتاب مختصرالبلدان ج8 ص196(.
.
.
.
وقيل ان اول من اختط الموصل واسكنها العرب ومصرها هرثمة بن عرفجة البارقي وبنى بها المسجد الجامع ثم بنى سعيد بن عبدالملك سورها .
.
.
.
) ومن تلك القبائل العربية أياد و تغلب ونمر وقضاعة وثقيف وبنو شيبان ومن بعدهم البكريون من أحفاد الخليفة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)الذين ذكر وجودهم بعد القرن الحادي عشر الهجري فيها والعمريون من أحفاد عبدالله بن عمر (رضي الله عنهما) الذين ذكروا في القرن الرابع الهجري ومن ثم من أحفاد عاصم بن عمر(رضي الله عنهما) والذي جاءوا إلى الموصل من مكة المكرمة في أواخر القرن العاشر الهجري و العلويون الذين كانت لهم فيها نقابة كبيرة ومهمة أدارت شؤونهم منذ بدأية القرن الثالث الهجري والى يومنا هذا وهم أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم)والأمويون والعباسيون الذين سكنوها بعد زوال الخلافة الأموية في القرن الثاني الهجري وزوال الخلافة العباسية في القرن السابع الهجري.
وبنو سعد بن لؤي وبنو عقيل الذين كانت لهم فيها أمارة والقبائل القحطانية التي نقلت اليها من عمان واليمن من الفراهيد وعنزة والخزرج من الازد وكندة وطي وهمدان وسليمة وتميم وبني أسد الذين تركوا اثر من لهجاتهم في لهجة أهل الموصل إلى يومنا هذا بالإضافة إلى بقاء غير المسلمين فيها من نصارى ويهود فتكونت مدينة لها هويتها التي حافظت عليها على مرور أربعة عشر قرن رغم كل النكبات والاحتلال التي مرت بها و بقيت المدينة تحمل سمات حضارية متميزة لغويا وعمرانيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا جعلتها مصدرا للإشعاع الحضاري العربي الإسلامي وأول و أهم ما بناه العرب المسلمين فيها هو المسجد الجامع وهو موضوعنا .
بناء المسجد الجامع وعمارته : بعد فتح الموصل سنة 16هـ -637م على يد الجيش الإسلامي بقيادة القائد ربعي بن الافكل العنزي الذي تولى أمر الحرب فيها.
تم بناء المسجد الجامع مع دار الإمارة على يد الوالي عتبة بن فرقد السلمي مالبث ان تم توسعته مرة أخرى على يد الوالي هرثمة بن عرفجة البارقي سنة 22 هـ 643 م عندما تولى الموصل غير أن التوسعة الحقيقية له كانت في عهد الأمير مروان بن محمد الأموي سنة 126 هـ -743م قبل تولي الخلافة الأموية فسمي الجامع على عهده بالجامع الأموي كما انه بنى مقصورة يصلى بها وبنى مروان في الجامع المنارة ولا يعلم موقعها هل هو نفس موقع المنارة الحالية او في محل أخر ومما يؤيد وجود المنارة ما ذكره ابن الأثير عن حادثة قتل أهل الموصل سنة 133هـ -750م (فأمريحيى بن محمد مناديا فصعد منارة المسجد فنادى من دخل المسجد فهو امن )وذكر الازدي في حوادث سنة 146هـ (في هذه السنة توفي عمر بن أيوب الموصلي ومنزله باب المسجد الجامع الذي تحت المنارة ) وأضاف مروان بن محمد إلى الجامع مطابخ يطبخ بها للناس في شهر رمضان وبقيت هذه المطابخ إلى أن هدمت خلال التوسعة العباسية وكانت أسواق المدينة حول المسجد الجامع وأشهر هذه الأسواق سوق البزازين وسوق السراجين وسوق السقط وبقيت تلك الأسواق إلى سنة 167 هـ -783م حيث شهد عمارة ثانية على عهد الخليفة العباسي المهدي حيث هدمت بعض مرافقه وأضيفت إليه الأسواق والحوانيت المحيطة وجاء عن أعمال تلك التوسعة حيث تم هدم الأسواق المحيطة وأضافها إلى المسجد الجامع وبني محلها صفافا تحيط بفناء الجامع قال القاضي ابي زكريا الازدي في تاريخ الموصل ج1-469(فيها زاد المهدي في المسجد الجامع بالموصل الصفاف الدائرة بالصحن وبلغني ان موضوع الصفاف كان حوانيت للمسجد وسوقا لأهل المدينة فما كان يلي سوق الداخل للبزازين وما يلي باب جابر للراجحين وما يلي دبر القبلة للسقط ومواضع المطابخ التي كان يطبخ للناس فيها في شهر رمضان فامر المهدي بهدم جميع ذلك وادخله إلى المسجد واجرى عمل ذلك على يد موسى بن مصعب عامله على الموصل نقب في ذلك حجر مقابل الداخل من باب المسجد الذي يلي سوق الداخل فاني قرأت (القاضي ابي زكريا الازدي) فيه (بركة من لعبد الله الإمام محمد المهدي فأجرى على يد عامله موسى بن مصعب ) ) وعن سعة المسجد الجامع بعد توسعته العباسية ما ذكرها ابن الأثير عند كلامه عن أحداث الموصل سنة 133هـ – 750م وجاء في الكامل لابن الأثير ج5 ص212 (.
.
.
.
أن أهل الموصل امتنعوا عن طاعة محمد بن صول وقالوا يولى علينا الخثعم واخرجوا عنهم فكتب إلى السفاح بذلك فاستعمل أخاه يحيى بن محمد وسير أليها اثني عشر إلف رجل فنزل قصر الإمارة بجانب المسجد الجامع.
.
.
ان مجموع من قتلهم يحيى بن محمد العباسي في الجامع الأموي احد عشر إلف ممن له ختم وممن ليس له ختم فكثير) وبهذا يتضح لنا سعة الجامع على عهد مروان بن محمد الأموي وهكذا توسع المسجد الجامع اكبر مما كان عليه في التوسعة الأموية فإذا كان يتسع قبل ذلك لأكثر من احد عشر ألف فلا شك انه صار يتسع لأكثر من ذلك العدد .
وكان للجامع أربعة أبواب هى الباب الغربي المعروف باسم باب المنارة الذي ذكره أبو زكريا الازدي في تاريخ الموصل في إحداث سنة 146 هـ والباب الجنوبي المعروف باسم باب جابر وهو الذي يؤدي الى سوق السراجين الذي هدمه المهدي وأضافه إلى الجامع وهو ما يلي البيعة كما ذكر الازدي والباب الشرقي المؤدي إلى نهر دجلة وذكره المقدسي عند كلامه (وبين الشط والجامع رمية سهم على نشز يصعد إليه بدرج من قبل الأسواق اقل) والباب الشمالي والذي يؤدي إلى سوق الداخل .
ثم تداعت عمارة الجامع بعد ذلك نتيجة الحروب والاضطرابات السياسية في عهد أمارة بني عقيل ثم السلاجقة فتقلص عمارة المدينة وأصابها الخراب ومن بينها المسجد الجامع .
وفي العصر الاتابكي نال الجامع اهتمام في عهد الملك سيف الدين غازي الأول (541-544 هـ \1146-1149م ) حيث أعاد عمارته ومما يستحق الذكر أن الأتابكة اكتفوا فقط بترميم قسم من الجامع الأموي فيما تركت بقية المساحة الشاسعة للجامع للأهالي فأقاموا بها مقابر لدفن موتاهم صارت تعرف بمقبرة الجامع العتيق.
ويعتقد أن المقبرة وأيضاً الطريق الذي يفصل بينها وبين المسجد الجامع كانت كلها من مساحة الجامع العتيق.
كما أن الدور التي تمتد من الجامع إلى مقابر تل قليعات شمالاً وإلى المنارة غرباً كلها مشيدة فوق أراضي وقف كانت هى أيضاً من أرض المسجد الجامع.
ويستدل على أعمال التعمير الكتابات الموجودة على المحراب بان تاريخ التعمير سنة 543 هـ -1143م واما عن هذا المحراب الاتابكي فانه يعد أية في الإبداع الفني لما يحتويه من الكتابات الكوفية المشجرة والنقوش والزخارف المتناظرة بعضها غائرة فيه وبعضها بارزة يدلنا دقة صنعه ما كان عليه الجامع ذلك العهد وان هذا المحراب نقله الشيخ محمد النوري القادرى وثبته في مصلى الشافعية في الجامع النوري الكبير .
وقد زار المسجد الجامع عدد من الرحالة العرب والمسلمين وجاء في رحلة ابن بطوطةج1ص175 (.
.
.
وبداخل المدينة جامعان احدهما قديم والأخر حديث.
.
.
) جاء في معجم البلدان ج8 ص196 (.
.
.
وسورها يشتمل على جامعين تقام فيهما الجمعة احدهما بناه نور الدين محمود وهو وسط السور وهو طريق الذاهب والجائي مليح كبير والأخر على نشز من الأرض في صقع من أصقاعها قديم وهو الذي استحدثه مروان بن محمد في ما احسب.
.
.
) كان المسجد الجامع مدرسة للعلم تدرس فيه علوم القران الكريم والقراءات وعلوم الحديث وعلوم الفقه ومن أهم العلماء الذين جلسوا للتدريس او اعتكفوا للتعبد فيه الفتح بن وشاح الازدي الموصلي ت 170 هـ -786م والفتح بن سعيد الموصلي ت220 هـ -835م والإمام المحدث المعافى بن عمران الازدي الموصلي ت 184-800م والإمام ابي يعلى التميمي الموصلي صاحب مسند الحديث النبوي الشريف ت307 هـ -919م و النحوي الكبير ابن جني الموصلي 392 هـ -1001م ومؤرخ الموصل الأول القاضي أبي زكريا الازدي ت334 هـ – 945م وإمام القراءات والتفسير والنحو الأمام الكواشي الشيباني الموصلي ت 680 هـ - 1281م وغيرهم كثير .
ولكن دب الخراب ثانية إليه بعد احتلال المغول للموصل سنة 660 هـ -1261م ومن بعدهم على يد تيمورلنك والقبائل التركمانية الخروف الأبيض والأسود والجلائريون وحتى العهد العثماني حتى عمره محسن اسمه الياس بك الذي قام بأعماره بعد أن وجد المسجد الصغير المدعو باسمه والذي لايزال موجود غير بعيد من جامع المصفي في الجنوب الشرقي منه على الطريق المنحدر المؤدي الى السوق المعروف بسوق الميدان لا يفي بإقامة صلاة الجمعة والعيدين ثم عمر ثانية على يد احد المحسنين المدعو الحاج محمد مصفى الذهب سنة 1225 هـ -1810م تلتها أعمار دائرة الأوقاف سنة 1344 هـ -1926م يقول المرحوم احمد الصوفي بان(الدور المحيطة بالمسجد الجامع والمنارة والتي تمتد الى مسافات بعيدة فكلها كانت ضمن عرصة المسجد الجامع ولا تزال ارض هذه الدور وقفا تدفع بدل عرصة لدائرة الأوقاف ويظهر ان المقبرة العامة الواقعة مقابل الجامع والمنارة من الجهة الجنوبية هي من عرصة الجامع أيضا اما المرتفعات التي نشاهدها في هذه المقبرة فهي بقايا أنقاض أبنية كانت قد تداعت وتراكمت بعضها فوق بعض وحصل منها هذا المرتفعات وهذه الأبنية المتداعية على الأرجح أنها كانت جزء من أبنية الجامع) وجاء في رحلة ابن جبير سنة 543هـ -1143م ص214 (.
.
.
.
وللمدينة جامعان احدهما جديد والأخر من عهد بني أمية وفي صحن هذا الجامع قبة داخلها سارية رخام قائم قد خلخل جيدها بخمسة خلاخل مفتولة فتل السوار في جرم رخامها وفي اعلاه خصة رخام مثمنة يخرج عليها أنبوب من الماء خروج انزعاج وشدة فيرتفع في الهواء ازيد من القامة كأنه قضيب بنو معتدل ثم ينعكس إلى أسفل القبة ويجمع في هذين الجامعين القديم والحديث.
.
.
.
) وقد ظهرت أثار تلك الساقية في الدور الملاصقة للجامع الحالي أثناء تعميرها وكذلك شوهدت هذه الساقية في فناء الجامع أثناء تعمير سنة 1344هـ-1926م مما يؤيد ماجاء فيما كتب عن المسجد الجامع الا ان المسجد الجامع محدود السعة اليوم ولم يتبقى من المسجد الجامع سوى صدر المحراب والعقد الذي يعلوه على وعن مساحة الجامع العتيق فلم يبقى سوى مساحة مسجد المصفي الصغيرة وهو يقع في اللحف الجنوبي من تل قلعيات وبقايا المنارة الاتابكية التي طمست معالمها بعد ترميمها ومئذنة الاان المئذنة او بقاياها توجد داخل دار صغيرة جدا أهملت بمرور الزمن وتعرض لتعدي في أواخر العهد العثماني عندما احتاجت القوات العثمانية لبناء فرن لعمل الخبز لجنودها فحتاجوا الى طابوق لعمل الفرن فعمدوا الى هدم البعض منها واخذوا طابوقها لعمل هذا الفرن.
على الرغم من تعدد التسميات لهذا الصرح الإسلامي بين المسجد الجامع منذ الفتح حتى جدده مروان بن محمد فسمي بالجامع الأموي او (المرواني ) وتغير اسمه بعد بناء الجامع النوري سنة (566- 568هـ ) في العهد الاتابكي فسمي بالجامع العتيق او القديم ثم سمي بجامع المصفي بعد تعمير سنة 1225هـ-1810م وكذلك سمي بجامع الكوازين لأنه يقع في محلة الكوازين كل هذه الأسماء لمكان واحد سيبقى جزء حيا وشاهد على ارث المدينة العربي الإسلامي ويحكي تاريخ هذه البلدة الطيبة وأهلها حتى يشاء الله تعالى.
المصادر *سعيد الديوه جي جوامع الموصل *سعيد الديوه جي تاريخ الموصل ج1 ص50-51 *احمد الصوفي خطط الموصل ج1 ص37 *احمد الصوفي الآثار والمباني العربية الإسلامية في الموصل ص 8-11 *مجلة مدينتنا الموصلية مقال للأستاذ عبدالجبار محمد جرجيس عن الجامع الاموي *الدكتور هاشم الجنابي التخطيط العمراني في مدينة الموصل *جريدة نينوى الموصلية
...الرجوع
2014-03-15 - 07:44:18 PM