غرفة تجارة الموصل اصالة الماضي وامل الحاضر


رعد العمري
تعد مدينة الموصل من أقدم مدن العالم.
وذات جذور عميقة في التاريخ البشري.
يمتد الى اكثر من سبعة الاف سنة قبل الميلاد.
وقد نقشت الموصل اثاراً طيبة في ذاكرة العالم على سعة الارض احياناً.
من خلال عمل وابداع أبناءها النجباء الاصلاء الذين مهما ابعدتهم ظروف الحياة والعمل عنها عطاءهم في اي بقعة على هذه الارض يستمد قوته من جذورهم الراسمة في هذه المدينة العزيزة المعطاء.
والموصل تعد من مدن العراق العظيمة فقد كان لموقعها اثر كبير على تطور تاريخها الحضاري في مختلف العصور.
وكان لنشاطها الفكري والثقافي والتجاري دوراً مهماً وكبيراً في مضمار الحضارة الانسانية فلقد كان الثور المجنح في حضارة نينوى الأشورية رمز الخصوبة والقوة وكل شعوب الارض تعرف هذا الرمز العريق انبثق من مدينة نينوى.
وقد جاء ذكر نينوى في الكتب السماوية.
وورد ذكرها في القرأن الكريم في قوله تعالى (فلولا قرية أمنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما أمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ومتعناهم الى حين) {يونس 98} يقوم الامام البيضاوي(1)عن هذه الاية روي: ان يونس عليه السلام بعث الى اهل نينوى من الموصل) واسم نينوى جاء في الكتابات المسمارية من عهد سلالة اور الثالثة في نهاية الالف الثالث قبل الميلاد وبشكل (نينا) و (نينواّ) وكتبت بالعلامة المسمارية وداخلها صنارة لسمكة حيث ساد الاعتقاد انها ترمز للالهة نينا ألهة السمكة.
وهناك ما يشير الى لفظه )نون) والتي تعرف بالاشورية (السمكة) وهي ذات الكلمة التي اشتق منها اللغة العربية اسم العلم (يوتان.
ذنون.
يونس) (2) أ/ا الموصل في الجانب الايمن فقط من نهر دجلة كانت حصناً أشورياً (اطلق عليه الآراميون (الحصن العبوري)ومعناها (القلعة التي تقع على الضفة اليمنى لنهر دجلة) ازاء نينوى عاصمة (أشور)(3) ـــــــــــــ (3) خطط الموصل.
احمد الوفي.
مطبعة (ام الربيعين بالموصل سنة 1953.
ص3 (1) أنوار التنزيل واسرار التأويل.
الامام ناصر الدين ابو الخير البيضاوي.
دار الفكر.
بيروت.
3/ 59.
(2) نينوى.
وطارق عبد الوهاب مظلوم.
بحث مقدم لندوة دور الموصل في التراث العربي المنعقدة في جامعة الموصل 1988.
ص7 وبعد سقوط نينوى سنة 612 ق.
م لجأ اليها بعض من سلم من الاعداء فتوسعت.
وفي القرن الرابع الميلاد ذكرها زينفون في رحلة العشرة الاف باسم (مسيلا muspihe ) وهي كلمة قريبة الى لفظ الموصل وقد قيل ان اسم الموصل جاء ايضاً من نوع من القماش الذي كان يصنع في الموصل وأسمه (الموسلين).
وكان الرحاله أيضر الذي زار الموصل سنة 1758/ 1172 هـ قد اشاد بمصانع النسيج الموصلي (الموسلين) والتي على جودة صناعتها.
كما اشار الرحاله نييور سنة 1766م الى وجود مصانع كثيرة للنسيج والحياكة والصياغة وطباعة النقوش على المنسوجات)(5) وكانت هذه المنتوجات تباع من قبل تجار الموصل في حلب الى التجار الفرنسيين فتشحن من هناك الى مرسيليا لتباع في الاسواق الاوربية كاحدى البضائع الراقية.
لقد حيا الله سبحانه وتعالى الموصل بموقع متميز في منطقة خصبة التربة وذات طبيعة ساحرة ومنوعة حيث السهول والهضاب والوديان والامطار الغزيرة بالاضافة الى توفر المراعي الواسعة ووفرة المياه ادى كل ذبك الى جعل الموصل تتمتع بانتاج زراعي واسع فهي كما يقال سلة خبر العراق اذا تلك العوامل على تنشيط دورها الاقتصادي الذي اعتمد بشكل كبير على الزراعة المنوعة لمختلف المحاصيل والثمار وكذلك انتشار قرية المواشي الذي ميز الموصل في شهرتا بانتاج الاصواف ذات النوعية الجيدة والانتاج الوفير.
واختصاصها كذلك بصناعة النسيج الصوفي الذي غالباً ماكان يصدر من قبل تجار الموصل الى كثير من البلدان.
واشتهرت الموصل بتربية النحل.
فكانت ذات شهرة خاصة في انتاج العسل فتشير قوائم الخراح الى ان الموصل كانت ترسل كميات من العسل مع واردات الخراج وصل وزنها الى عشراين الف رطل وعشرين الف الف درهم.
وكان عسل الموصل يعد نقائس المنتجات.
وكذلك برزت في الموصل صناعة الحرير التي تقوم على تربية دودة القز وزراعة أشجار التوت والذي أدى الى ظهور صناعة القماش المسمى (بالموسلين) كما أسلفنا.
لقد اصبحت الموصل في اواخر القرن الثاني الهجري مركزاً تجارياً من دهراً تصدر منه الحبوب والاصواف والعسل والفحم والشحوم والسماق وحب الرمان والجبن والفوكة المجففة والزبيب واللحم المجفف ومنتوجات كثيرة اخرى.
وقد بلغ خراج الموصل في اواخر القرن الثاني الهجري أربعة وعشرين مليون درهم (عدا العسل) وهكذا اصبحت الموصل تنتج بضائع كثيرة تفيض عن حاجة السكان فنجم عنه الاتجار بها وتصديرها الى مختلف انحاء الدولة الاسلامية ودول العالم القديم(6).
وبعد ذلك اصبحت الموصل قوة اقتصادية لها ثقلها الذي تنشط من خلالها حركة التجارة الذولية في ذلك العصر.
يقول ياقوت الحموي: (وكثيراً ما سمعت ان بلاد الدنيا العظام ثلاثة .
نيسابور لانها باب الشرق ودمشق لانها باب الغرب والموصل لان القاصد الى الجهتين فلما لايمر بها) (7) وبذلك اصبحت الموصل طريقاً للقوافل التجارية بين الشرق والغرب.
وازدهارها الحركة التجارية في الموصل ولدت لدى ابناء هذه المدينة الطيبة حالة والحرص على الدقة في العمل والصدق والامانة في المعاملات التجارية مما اكسبهم ثقة المتعاملين في البلدان التي يتبادلون معها انواع الاعمال التجارية.
واكتسب اهل الموصل هذه الصفات والاخلاق الرقية بالاضافة الى اصالتهم ماحث عليه الدين الاسلامي من حكام الاخلاق.
فالقران الكريم كلمة التجارة في تسعة مواضع منها قوله تعالى (الا ان تكون تجاره عن تراض منكم) اشارة الى اخلاق التاجر في معاملته الخلق على حد سواء في البيع والشراء وقد عمل الرسول الكريم محمد صلى اللع عليه وسلم في التجارة في رحلته الى الشام متاجراً باموال ام المؤمنين السيدة خديجة الكبرى رضي الله عنها.
وقد جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قوله (تسعة أعشار الرزق في التجارة) (8).
وقد سمعت ان كلمة تاجر ذات دلالات جميلة فهي تتألف من اربعة حروف يشير كل حرف الى معنى معين فحرف التاء يعني (تقي) وحرف الألف يعني (أمين) وحرف (الجيم) يعني (جريء) وحرف (الراء) يعني رحوم.
وهناك من تميز بصفه بالقلب.
حيث ينقلب لنا الشيخ محفوظ العباسي (رحمه الله) في كتابه الرضواني مايلي: ومما أخبرنا به بعض الثقاب ان في موجة الغلاء التي اجتاحت الموصل سنة1337هـ وفي أثناء الحرب العالمية الاولى والمسمات لدى العامة (سنة الثلاث ليرات) اي ثمن الوزنة الواحدة من الحنطة ذات الثلاثة عشر كيلو غرام ونصف (ثلاث ليرات ذهب) والناس في اشد الحاجة.
وزع الشيخ الرضواني (رحمه الله) مئات الاطنان من الحنطة على الفقراء مجاناً) (9) وكان من التجار ذوي الشأن في الموصل ومن اهل التقوى والصلاح.
هذا بالاضافة الى امتلاك الحس الثقافي لدى بعض تجار الموصل ادى الى مساهمة الطبقة التجارية في الموصل في مضمار الثقافة العامةواشتهر بعض رجالها باجادة انواع متعددة من العلوم .
وقد اشاد الرحاله ميزا ابو طالب خان الذي زار الموصل عام 1799مبالمستوى الثقافي الرفيع الذي كان لموظفي الولاية واعيان سكانها.
فقال في كتاب رحلته عن اهل الموصل (كان هؤلاء ناساً مثقفين.
خاصة.
ذوي أخلاق محبوبة.
وتفكير واسع.
ومنذ مغادرتي باريس لم الاقي رجالاً ذوي أذهان نبرة مثلهم)(10) واحتفظت الموصل بمركزها التجاري المهم في الشرؤق كاحد اهم طرق مرور البضائع ومركز للنشاط التجاري العالمي.
وقد اشر فتح قناة السويس عام 1869م تراجعاً في اهمية موقع مدينة الموصل.
لتحول طريق التجارة العالمية عنها الا ان مد خط حديد طوروس أعاد للكدينة أهميتها كموقع مركزي للتجارة)(11).
(11) د.
خالص حسني الاشعب وأخرون في تخطيط مركز مدينة الموصل.
بحث مقدم لندوة دورالموصل في التراث العربي 1988م.
ص 4.
(8) احمد ابو بكر البو بصري.
أتحاف الخبرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة.
الرياض.
دار الوطن.
ط 1420هـ/ 1999م/ 3/ 275.
(9) محفوظ العباسي.
الرضواني.
مطبعة الجمهور بالموصل 1402هـ.
ص55(10) عماد عبد السلام رؤوف.
الموصل في العهد العثماني.
ص47.
...الرجوع
2014-03-15 - 06:56:50 PM