الكب من اماكن الموصل الشعبية


عبد الوهاب النعيمي
الموصل بلد فيها من التقاليد ما لا نجده في بلدان اخرى من القطر.
ولذلك فانها تنفرد بمزايا مستقلة غريبة من نوعها.
.
ومن تقاليدها التي انقرضت او في طريقها للانقراض.
هي السوق الشعبية (للشمزى) وتسمى بلهجة اهل الموصل (الكَب) والكَب هذا عبارة عن سوق كبير او علوة مفتوحة واسعة تنصهر فيها عادات وتلتحم افكار لا حصر لحدودها.
اثر الكَب ومنشأة: يقال ان الكَب موجود منذ زمن يقترن بزمن الاحتلال الانكليزي بعد انخذال الدولة العثمانية وانسحابها من المنطقة.
فقد امتدت الايدي لزاعة الخضر بانواعها المتعددة في المناطق الشمالية من الموصل.
وبعد نضوجها وقطفها توزع على القرى وينزل الحاصل بكميات كبيرة الى الموصل.
وهناك منطقتان لاستثمار الخضر وتصنيفها وبيعها.
منطقة الكَب محصورة على استيعاب الرقي والبطيخ والخيار بانواعه.
اما البقية الباقية من المخضرات فانها تذهب الى سوق الميدان ويسمى (سوق المعاش) وموقعه قديما مقابل البلدية على رقبة الجسر القديم.
وفيه تباع كافة الانواع من المحاصيل الخضراء.
اما الكَب فقد كان يعتمد على استثمار الرقي بانواعه الجيدة والرديئة وكذلك يعتمد على البطيخ بانواعه المتعددة ويعتمد ايضا على الخيار بنوعيه المائى والديم.
وقد يكون منشأ الكَب حسب اقوال الشيوخ من ابناء الموصل بانه لسد حاجة السكان حيث يستطيع المزارعون جلب محاصيلهم الى الكَب لعرضها بوساطة (الدلال) وبيعها جملة او مفرد حسب الرغبة والطلب.
ويكون نقل المحصول الى الكَب بثلاثة طرق هي: 1- طريق السيارات.
ويكون للاماكن البعيدة والنوعية الجيدة من المحصول.
2- طريق (الدواب) حيث يتم النقل بواسطة (غارات حصرانية) وطبعا تستعمل للاماكن القريبة والانواع العادية او الرديئة.
3- طريق النهر.
وبما ان الكَب يقع على شاطئ دجلة مباشرة.
فقد اعتمد المزارعون في القرى العلوية الواقعة على النهر نقل محاصيلهم بوساطة (الشباك والاكلاك).
وهناك رجال متخصصون لهذا الغرض وعملهم ينحصر بنقل المحصول على مسؤوليتهم وتوصيله الى الكَب.
ويكون النوع المنقول بالشباك هو الخيار المائي فقط ولذلك فانه غير مرغوب واسعاره رخيصة لكثرة ما يجلب منه للكَب.
موسم الكَب والكَب علوة موسمية تنحصر فترة العمل فيها من بداية شهر حزيران وتنشط خلال منتصف تموز حتى الثلث الاخير من شهر آب.
ثم تبدأ بالاضمحلال وتخف حركتها عند بداية ايلول حيث تنصرف الارجل عنها الى اماكن أكثر فائدة وخاصة الحمالون فإنهم يتوزعون الى أماكن عملهم الاعتيادية بعد ان يكونوا قد جمعوا ثروة لا بأس بها من موسم الكَب وهو الموسم الذهبي لهم.
ويشترط في الحمال الذي ينزل للعمل في الكَب ان يمتلك حماراً و"غارة" لكي يستطيع نقل المحصول من الكَب الى محلات البائعين المنتشرة في انحاء مختلفة من أزقة واسواق الموصل.
.
وكلما ازداد عدد الحمير عند الحمال ازداد ربحه.
وقلما نجد حمالاً يملك حماراً واحداً.
فهناك من يملك خمسة حمير أو عشرة يستأجر صبياناً للعمل عليها لقاء أجرة زهيدة وتكون حصة الحمال اضافة لأجرته المقطوعة (شمزية) واحدة من الحجم الكبير لكل حمل أو خمس بطيخات أو عشرون خيارة.
وطبعاً خلال سويعات يجمع كمية كبيرة من هذه الانواع الثلاثة فيضطر لبيعها وتصريفها على عامة الشعب ممن يجيئون للنزهة وقضاء الوقت.
وما يتبقى لديه يكون حصة البيت.
ولا يحرم من كرمه الجيران والاقارب.
فان زوجته توزع عليهم كميات مما جلبه زوجها.
وتكون فخورة بهذا الكرم الحاتمي.
ويظل فخرها طيلة أيام الموسم.
وما بعده من الفصول السنوية لأنها لا تنسى جيرانها و(تتنغص) لأقاربها ومعارفها.
وإذا ما حدث حادث سوء بينها وبين عائلة أو فرد من العائلة التي كانت مشمولة بالكرم فإنها لا تنفك بتذكيرهم بأفضالها وفضل زوجها عليهم وتدار الالسن في بيوتات كثيرة من المحلة عند جحد القوم الذين تعرضوا لفلانة وهي صاحبة فضل عليهم.
ولا تنسى حصتهم كلما جاء الصيف حيث تغمرهم بالشمزي والخيار والبطيخ.
وتتدخل في فض الخلاف أو حل النزاع نسوة من الجيران ويتم الصلح بين العائلتين المتخاصمتين.
وفي لحظة واحدة تتبدد السحابة ويعود الود والصفاء بينهما.
كما كان واحسن وتعود العلاقات أقوى مما كانت عليه من قبل.
موقع الكَب وأثره: يقع الكَب في الساحل الايسر من المدينة على شاطئ النهر.
تحت الجسر القديم (جسر نينوى الحالي) وموقعه محصور بين الجسر شرقاً والنهر جنوباً وحديقة الجزيرة (حديقة البلدية حالياً) غرباً ونهر (الخوصر) شمالاً.
.
.
والبقعة التي يقع فيها الكَب رملية دافئة صيفاً ولكنها رطبة وممتعة أثناء الليل ولذلك فان الدلالين الموجودين واصحاب المحصول ينامون فوق الرمل خلال مدة بيع محاصيلهم.
أما اثر الموقع فإنه يتخذ بمثابة متنزه صيفي.
وكان قبل عقدين أو أكثر من الآن لا تؤمه النساء لان المنطقة محرمة وخطرة في نظرهن.
لوجود الاشقياء والسكارى.
أما فيما بعد فقد تحطمت هذه النظرة وبدأت النساء بزيارة الكَب اثناء العصر فقط .
وكل واحدة معها حفنة من الاطفال تأخذهم الى وسط الحديقة الواسعة.
وتجلس معها جارتها.
وعادة يكون معها خليط من الجرزات الموصلية وبعض الاطعمة الخفيفة للصغار.
...الرجوع
2014-03-15 - 12:47:40 PM