الحمامات الشعبية في الموصل حمام باب لكش أنموذجأ ج-2-


ازهر العبيدي
يرتبط المشلح بالحمام بممرين أحدهم يؤدي إلى الألواج.
وهي غرف صغيرة مساحة كل منها متران مربعان.
يستخدمها الخاصة وعلية القوم لكل منها باب من فردتين زجاجيتين.
ومفروشة بالسجاد الثمين فوق تخوت خشبية عليها فرش قطنية.
ووسائد أسطوانية كبيرة محشوة بالقطن.
ومكسوة بقماش مزخرف بخيوط ذهبية يغلب عليه اللون الأحمر الغامق.
وعلى الحيطان سجاد ملون وصور جميلة وآيات قرآنية وأحاديث نبوية ومرايا عدّة مع ساعة جدارية.
والممر الآخر في بدايته ردهة تضم تخوتاً لاستراحة العمال.
وغرفة صغيرة للجايجي (بائع الشاي).
ومكاناً لحبوب الماء الكبيرة.
وفي نهاية الممر صالة ثانية للمشلح تعلوها قبة كروية تحوي أرائك خشبية.
بعد الباب يستقبل القيّم محيي الزبائن مرحباً بهم.
ويزيد من ترحيبه عندما يكون الزبون من رواد الحمام الدائميين (معميل) أو من ذوي الشأن.
ويقودهم إلى اللوج بعد وضع أماناتهم في الخزانة الخشبية.
وهو يحمل الشرشف (الجرجف) الذي يضعه تحت الزبون.
ثم يجلب صانع الحمام (الصبي) القبقاب الخشبي (القوقاب) والفوطة عند عدم جلب الزبون فوطته الخاصة.
ويرتدي الزبون الفوطة بعد أن ينزع ملابسه ويجمعها على المفرش ثم يغطيها بطرفه الثاني.
ويعلق ملابسه الخارجية على الحائط في العلاّقات.
ويدخل الأطفال للاستحمام بدون فوطة.
يدخل الزبون وفي رجليه القبقاب الذي يحدث أصواتاً متناغمة.
وبيده الليفة والصابون التي يجلبها معه عادة من الباب الكبير إلى (ما بين البابين) وهي صالة تربط الفناء الخارجي البارد بالفناء الداخلي الحار.
فينتقل الزبون من الجو البارد في المشلح إلى الجو الحار في المسبح تدريجياً.
وفي هذه الصالة دكات رخامية وحوضان مرتفعان للماء يستخدمها الدلاّكون.
ويقوم الدوشمجي بتبديل فوط الزبائن اليابسة بأخرى مبللة.
فيما عدا الفوط الخاصة بأصحابها.
ويتغاضى عمّن يعرفهم (المعارف) من الزبائن أيضاً.
ثم يأتي الباب الثاني المؤدي إلى فناء الحمام الكبير (المسبح) أي محل الاستحمام.
يتوسطه حوض رخامي كبير (انجانة) مملوء بالماء الحار.
ويجلب الصانع ماءً حاراً في الدلو (السطل) ليضع الزبون الذي ينتظر الدلاك رجليه فيه لغرض تدفئة القدمين ولكي يسرع في التعرّق قبل التدليك.
وحول هذا الحوض عدد من الدكات الرخامية لجلوس الزبائن.
وتسمى هذه المجموعة بالمَدوَر أو (المدوغ).
وعلى مقربة من هذا الحوض توجد قطعة رخامية كبيرة المساحة اسمها الحجر الحارة (الحجغ الحاغة).
وهي ساخنة جداً لكونها تغطي شبكة المداخن التي تبتدئ من موقد النار وتمر تحت أرض المسبح ثم إلى أعلى سطح الحمام.
يتمدد عليها المستحمون للتعّرق وانتظار فراغ الأحواض أو الدّور عند الدلاّك.
ويجلس البعض في فتحة البيدر (البيدغ).
يتكون سقف فناء المسبح من قبة كبيرة كروية تتميز بوجود شبابيك زجاجية حولها.
تدخل منها أشعة شمس النهار فتضيء المسبح بخيوط من الأشعة المكونة من البخار الأبيض الذي يملأ جو الحمام ليلاً ونهاراً.
تحيط بالفناء مقاصير مقوسة المدخل كروية السقف لحجز البخار.
تحتوي كل منها على ثلاثة أحواض للمستحمين ومقاعد خشبية عديدة (تختة) للجلوس.
وكل حوض مزود بحنفيتين إحداها للماء الحار والأخرى للماء البارد.
(قبة مسبح حمام موصلي قديم) يعمل الدلاّكون عبد فتحي وإبراهيم وعبدالعالي في تدليك الزبائن بالتسلسل (السرا).
باستعمال الكيس أولا لتنظيف الجسم مما علق به من أوساخ.
متعمدين عرض فتائل الغبار والجلد الميت أمام الزبون دليلاً على إجادتهم للعمل.
ثم باستخدام الليفة والصابون داخل إناء معدني كبير (اللكن) مع سكب الماء بغزارة.
ويبيع الصناع مسحوق إزالة الشعر (دوا حمام) في أكياس صغيرة للزبائن اللذين يستعملونه لإزالة شعر العانة وتحت الإبطين في غرفة صغيرة بجانب المدور.
ويستعمل الناس الصابون الأخضر المقطع الحلبي الذي يشتهر باسم مدينة الرقّة في سوريا فيسمى بالرقي في بغداد.
ويسمى بالزيتار في الموصل أي زيت الغار.
ويسمى الصابون باسم البلدة التي يجلب منها مثل حلب والرقة ونابلس.
يستحم الزبائن بأنفسهم أو بمساعدة الدلاّك .
وعند الانتهاء يطرقون حافة الحوض بالطاسة المعدنية (الصفر).
وهي إشارة للدوشمجي ليجلب لهم المناشف الخاصة بهم أو البرنص من البقجة.
أو من مناشف الحمام التي يستخدمها الجميع.
ويـأتي الدوشمجي حاملاً عدداً من المناشف.
فيلف المستحم منشفة كبيرة حول خصره.
ويضع الدوشمجي الأخرى على كتفيه وحول صدره.
ويلف له الصغيرة حول رأسه قائلاً له : نعيماً أغاتي.
يخرج المستحم إلى المشلح حيث يستقبله القيم أو الصانع بكلمة : نعيماً ويلفه بالبطانيات.
فيضع واحدة على كتفيه وأخرى على رجليه.
وينشف له رأسه مع تبديل منشفة الرأس الرطبة.
ويسأله عمّا يحب أن يشرب : شاي (جاي) ـ حامض ـ دارسين (داغسين).
ويصيح بالجايجي بلال ليجلب طلب الزبون.
وبلال يعمل شتاءً في الحمام.
وفي الصيف يعمل بائع عرق سوس (سوّاس) في منطقته باب لكش وهو من أسطوات السواسين.
وكان يتقن التكلم باللغة الروسية التي تعلمها عندما كان أسيراً لدى الروس في الحرب العالمية الأولى.
وأصله من سعرت في تركيا.
وكان كلامه أقرب إلى اللغة العربية الفصحى.
وجاء من بعد بلال الحاج حامد الدلومة ثم السيد يحيى.
يرتدي الزبون ملابسه بعد أن يجفّ جسمه من العرق.
ويأتي الصانع ليرتب ملابسه في البقجة.
ويتجه نحو الباب حيث يستلم أمانته من الصندوق.
ويدفع ثمن الحمام مع بخشيش (كزدغان) للصانع وأجور الدلاك.
ويخرج بعد أن يرش عليه القيم ماء الورد من الإناء الخاص به (الكلبدان) مشيعاً بالسلام وبكلمة (نعيماً) التي يجيب عليها بـ (نعم الله عليكم).
وكانت الأجرة في الخمسينيات تبدأ من 30 فلس وتنتهي بـ 75 فلساً.
(صورة عمال حمام باب لكش سنة 1945 من اليمين المدلكجي صديق وحامد دلومة وعبد فتحي وسيد ياسين والصبي أحمد) ينشر الصناع مناشف الحمام الرطبة فوق سطح الحمام تحت الشمس نهاراً.
وكانوا ينشرون قسماً من المناشف قاطعة الطريق على هيئة صفوف جميلة تزهو بالألوان : الأصفر والوردي والبرتقالي.
وكأنها أعلام للزينة في احتفال جميل.
تشترك حمام الرجال وحمام النساء الواقعة خلفها بقدر (دست) واحد للماء الحار يسخن في الكرخان (الموقد).
والقدر عبارة عن خزان مصنوع من صفائح النحاس الأحمر بسمك 5 ملم.
وقطر قاعدته 2م وقطر الفوهة 5.
2Ù….
وارتفاعه حوالي متر.
وفوق أحد جوانب القدر توجد حنفية كبيرة تصب الماء البارد باستمرار في القدر.
وفي الجانب المقابل لها توجد فتحة تسكب الماء الحار الطافح من القدر إلى عنبار الماء الحار.
ومن هذا العنبار يتوزع الماء إلى بيدر حمام الرجال وبيدر حمام النساء.
وهناك بيدر ثالث يجمع المياه الزائدة من هذين البيدرين.
والبيدر يعني حوضاً مبنياً بالجص والنورة.
يرتفع الماء فيه إلى نصف متر.
ويكون مستطيل الشكل سعته حوالي 5-6 متراً مكعباً .
ولكل حمام بيدر آخر للماء البارد.
وفي الكرخان الكائن في الزقاق المجاور لمخفر باب لكش.
يقوم الوقّاد (الكرخانجي) الذي يشاهد شبه عارٍ والسخام الأسود يغطي جسمه ووجهه دائماً بإشعال النار.
وكان يستخدم روث الماشية الذي يجلبه زبال خاص على الحمار في تسخين الماء حتى نهاية عقد الثلاثينيات.
وفي المساء كانت عدد من الأسر تجلب آنية البرمة الفخارية لدفنها في بقايا النار المتأججة التي تبقى تحت الرماد إذ تنضج على نحو جيد.
ويعودون في الصباح لاسترجاع قدورهم مقابل أجر زهيد يمنح للوقاد.
ثم استخدم النفط الأسود بمساعدة بخار الماء بعد ذلك في بداية الأربعينيات.
وكان الرماد المتبقي يجمع في أكوام يشتريها الناس لغرض مزجه مع النورة وصبه في أسس البناء فيصبح أقوى من الإسمنت.
اشترى إسماعيل إبراهيم التتنجي محتويات حمام باب لكش من الحاج محمد البكري سنة 1956.
وبقيت هذه الذكريات الجميلة عن الحمامات في أذهان الكثيرين من الأجداد والآباء.
تجددت في التسعينيات ببناء حمامات جديدة ولكنها اقتصرت على أبناء الطبقة الفقيرة.
والمطلوب من الجهات ذات العلاقة بذل الاهتمام والمحافظة على ما بقي من الحمامات القديمة.
فهي موروث تاريخي تراثي جميل ومورد سياحي يستهوي السواح الأجانب في المستقبل.
...الرجوع
2014-03-14 - 06:12:15 AM