محلة شهر سوق محلة موصلية اصلية ج-2-


سالم الحسو
لجامع شهر سوق بابان - الباب الكبير على بعد خطوات من دارنا.
يدخله المصلون القادمون من عوجات المحلة الواقعة على يمين دارنا جنوبا.
فهذا العم بشير يتهادى ماشيا والابتسامة المشرقة مرسومة على وجهه .
يلاطف الصغار ويسلم على الكبار ثم يسرع وراءه سيد علي بوتيرة مشي خاصة به لوجود قصر في احدى رجليه .
ممسكا بطربوشه المهتز فوق رأسه خوفا من سقوطه .
ثم يسرع العديد من الصغار والكبار ليدخلوا الجامع ويقيموا الصلاة.
كان المؤذن ينادي للصلاة من منصة المنارة باعلى صوته قبل ان يتم نصب مكبرات الصوت بعد سنوات و كان المؤذن المفضل لدى الجميع هو العم الحاج بشير( عما بشير) لصوته الشجي الحنون.
اما الباب الثاني للجامع - الباب الصغير - فيقع شمالا ويؤدي الى شارع الفاروق ويقصده المصلون القادمون من اطراف الشارع والمحلات المجاورة.
وكان للجامع حديقة تتوسط الفناء.
فيها شجرتا توت كبيرتان تضفيان على الجامع ظلا وافرا يزيد من روحانية المكان وبخاصة ايام الصيف.
حيث تقام الصلاة احيانا على الدكة او الباحة المفتوحة المفروشة بالحصير.
ولي ذكريات هنا كاصغر مؤذن ايام رمضان حيث كنت اؤذن لصلاة المغرب وانزل مسرعا لتناول قطعة من الخبز والتمر قبل ان نصلي وراء امام وخطيب الجامع.
والدي العزيز.
واما العم بشير فكان الجميع يتوق لسماع صوته يؤذن للصلاة أو يكبرايام الاعياد من منارة الجامع بصوته الرخيم الذي يتهادى بروحانية عبقة .
وكأني اسمعه الان يردد ياراحلين الى منى بقيادي هيجتموا يوم الرحيل فؤادي وقد تتلمذ الكثير من شباب المحلة على يده ومنهم اخي احمد الحسو الذي اجاد التمجيد في رمضان بصوت جميل ايضا.
كنت اصغي اليه معجبا ومقلدا وهو يردد طرقت باب الرجا والناس قد رقدوا و جئت اشكو الى مولاي ما اجد ولامسيات رمضان اجمل الذكريات حيث كنا نخرج قبل الفطور لشراء الخبز الحار والحلويات من الباعة بعرباتهم المصطفة على طول الطريق من محلة الساعة والى باب الجديد والفوانيس المختلفة تزين الاجواء بالوانها.
و نسرع بعدها عائدين الى البيت بانتظار مدفع الافطار وصوت المؤذن.
واذكرتجمع الاصحاب ليلا بعد انتهاء التراويح في سطح المقهى الملاصق لواجهة الجامع للسمر والتسابق في بعض الالعاب المسلية وسط جو مرح وسعيد ومحلة شهرسوق تفتخر بكثير من الشخصيات والاسر الموصلية ولا يتسع المجال للحديث عنهم في هذا المقال بل يتطلب مساهمات من السادة المختصين والمؤرخين مما نامل ان يتحفونا بها .
وما اود ذكره هنا هو ما يتصل باولئك الذين عرفتهم في طفولتي وشبابي في هذه المحلة العزيزة .
.
ولعل في مقدمتهم مختار المحلة السيد بشير المختار الذي كان الناس يقصدونه لحل مشاكلهم وانجاز معاملاتهم الرسمية المتعلقة بالوثائق والمستندات.
وما زلت اذكرايضا عديدا من الناس الطيبين الذين سكنوا في عوجات المحلة ومنهم عائلة الملا عبد الجوادي واولاده الذين عملوا في مجال النسيج والنجارة ولازال الاخ ابراهيم الجوادي النجار الماهر يمارس صناعة الة العود الشرقي بمهارة فريدة.
كما سكن المحلة عدد من العوائل المسيحية قرب كنيسة مار بيثون التي يعود تاريخها الى عهود قديمة.
حيث كان الجو المخيم في المحلة جو سلام وصداقة بين سكان شهرسوق من العوائل المسلمة والمسيحية وبتسامح وتآلف جميل.
نحن بحاجة اليه في ايامنا هذه بدل العنف والتشتت المخيم على اجوائنا مع الاسف.
كما اذكر حمام عبيد أغا الواقعة قرب دارنا وكان لها فرع رجالي واخر نسائي و كانت المركز الذي يزوره معظم اهل المحلة للاستحمام والتدليك والراحة بعد ذلك.
ثم تناول استكانات الحامض والشاي والدارسيني كما كان سطح الحمام وقبابها الملعب المحبب للصغار.
اما الرياضة المفضلة لشباب المحلة فكانت كرة القدم حيث يلتحم الفريقان في العوجة امام دارنا بين الجامع من طرف وبين الحمام من الطرف الاخر .
وطالما اثار ذلك غضب المارة خشية اصابتهم بركلة او كرة طائشة .
الا ان اللعب كان يمر بسلام معظم الاحيان.
كما كانت هناك العاب اخرى ككرة الطائرة والكعيب المرصوصة بمادة الرصاص.
غير ان مااذكره واحن اليه كان اقل ضجيجا من هذه الالعاب.
ألا وهو السمر ليلا تحت ظل النور الخافت المنبعث من اعلى عمود الكهرباء مقابل الحمام.
حيث كان الاولاد يجتمعون لسماع قصص الافلام التي شاهدها احدهم او قصص الجن الساكنين في القنطرة الظلماء مما كان يبعث الرعب في نفسي ويحرم علي الاقتراب من القنطرة ليلا.
كما ان لهذه الطرق الضيفة المتمايلة بين البيوت القديمة ذكريات اخرى للافراح والاتراح حيث كانت مسرحا لحفلات الزواج ومواكب الحمالي على عربات خشبية تعرض مختلف الحاجات المنزلية الجديدة وتجهيزات العروس تتقدمها جوقة موسيقية صغيرة.
ولاانسى ذكر السليقة التي كان بعض السكان يعدونها كل موسم امام باب الدار.
حيث توضع اكياس من الحنطة في دست كبير يقرب قطره من المترين واشبه بخزان ماء معدني.
ويضاف الماء وتشعل النار ويتمتع الصغار بابقاء النار مشتعلة برمي الاخشاب والحطب لعدة ساعات حتى تطبخ الحنطة .
وعندها يقوم الصغار والكبار بنقل السليقة الى سطح الدار ونشرها لمدة يوم او اكثر لكي تجف تماما وتكون جاهزة لعمل البرغل والجريش.
ويذكرني هذا بشخصية طريفة عرفها اهل المحلة.
الا وهو حتوت كما كنا نعرفه وحماره الصغير الذي يحمل على ظهره اكياس الحنطة الى المطحنة لاعداد الطحين لاهل المحلة وكان المسكين ذا انف افطس وصوت حاد طالما حمل الصغار على مشاكسته.
ومن الشخصيات الجميلة في ذاكرتي صورة الخبازات من شمال الموصل بزيهن المتعدد الالوان عند زيارة والدتي والعمل معها لاعداد خبز الاغقاق والبقلاوة والشكرلمة والمطبقايات.
كنا نتجمع حولهن لسماع الحكايات الشعبية اللذيذة منهن بعد انتهاء عملهن الشاق ثم نودعهن لعام اخر .
كان الطريق الى مدرسة الوطن الابتدائية ياخذني من دارنا في شهرسوق الى محلة تسمى تحت الدار.
توصلني الى الثلمي وما بعدها الى المدرسة ويستغرق ذلك نصف ساعة تقريبا وكنت اغير الطريق احيانا فاسير في شارع الفاروق الى باب الجديد ئم اتجه يسارا الى المدرسة للاستمتاع بما تعرضه بعض المحلات قرب باب الجديد من اجهزة كهربائية والكترونية كنت احلم باقتنائها والتعرف على اسرارها .
ولا شك انها كانت السر في اتجاهي العلمي فيما بعد.
اما المدرسة فكانت لي فيها اجمل ذكريات الصغر.
الصف الاول والاستاذ عبود افندي والقراءة الخلدونية والشعور بفخر كبير وانا اقرا صفحاتها الاولى بسهولة.
وتوالت السنون بسرعة ماكنا نحس بها فاذا بنا نصل الصف الخامس ونبدأ دروس الانكليزية وحنا افندي المغوار يعلمنا اللغة الجديدة بمهارة تدريسية لاتجارى.
والاساتذة الكبار فيصل الارحيم وجميل الحاج احمد الذين درسنا على ايديهم العربية والتاريخ والحساب وغيرهم ممن لاتسعفني الذاكرة استحضار اسمائهم الا اني اسال الله تعالى ان يرحمهم جميعا لما غرسوا فينا من حب التعلم والاجتهاد ولا انسى مدير المدرسة واستاذنا الكبيرالمرحوم بشير الدليمي الذي أدار المدرسة بكل احكام ونظام اما الحديث عن مرحلة الدراسة في المتوسطة المركزية ومن بعدها الاعدادية المركزية وذكريات زملاء الدراسة والاساتذة الكرام .
فاتركها لمقال اخر.
...الرجوع
2014-03-13 - 05:16:20 PM