نقود الموصل في العهد الاموي (132ه)


محمد طاهر مهيدي الطائي
نشأت الدولة الأموية في الشام ( دمشق ) على يد معاوية بن أبي سفيان .
وهو الذي رفع لواء العصيان على الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) وأبى على مبايعته بالخلافة .
ولما توفي علي بن أبي طالب وولده الحسن ( رضوان الله عليهما ) أستقل معاوية بالحكم في الشام سنة 41هـ وأنفسح المجال للخلفاء الامويين .
فمدوا سلطانهم إلى جميع أنحاء الممالك والبلاد التي فتحها العرب بعد الأسلام وأقام في الدولة الأموية أربعة عشر خليفة آخرهم كان الخليفة مروان بن محمد الذي قتل سنة 132هـ.
كانت مدينة الموصل من مراكز الضرب المهمة في العهد الأموي .
التي كان يضرب بها النقود بعد مدينة الكوفة والبصرة وميسان وغيرها من مدن العراق .
إذ كثرت وتعددت أماكن الضرب في البلاد الإسلامية في هذا العهد .
وقد بلغت دور الضرب ما يقرب من مائة وخمسون داراً .
ورغم هذا التعدد من أماكن الضرب إلاّ أنه أنحصر ضرب الدنانير الذهبية في دمشق والقاهرة فقط .
وحتى بعد سقوط الدولة الأموية بقت دمشق مركزاً لضرب الدينار الذهبي .
وفي سنة 146هـ نقل منها الضرب إلى بغداد في العهد العباسي .
وكانت بغداد تسمى ( مدينة السلام ) آنذاك .
لذا نلاحظ أن مدينة الموصل كغيرها من مراكز الضرب في العراق لم يضرب فيها إلاّ الدراهم الفضية والفلوس النحاسية .
لكون ضرب الدنانير الذهبية إنحصر في مركز الخلافة الأموية في دمشق .
وفي بداية ضرب النقود بالموصل ضربت الدراهم الفضية قبل غيرها من أنواع النقود .
وكان أول درهم وصلنا ضرب فيها سنة 82هـ أثناء خلافة عبد الملك بن مروان وكان واليا عليها الأمير محمد بن مروان بن الحكم .
ونصوص هذا الدرهم كما يأتي : مركز الوجه : لا إله إلا الله وحده لا شريك له مركز الظهر: الله أحد الله الصمد لم يلد و لم يولد ولم يكن له كفوا أحد الطوق: بسم الله ضرب هذا الدرهم بالموصل الطوق: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين سنة اثنتين وثمنين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وبعد السنة الأولى من ضرب الدراهم الفضية بالموصل سنة 82هـ ( ومن المحتمل كان ضربها قبل هذا التاريخ ) ربما حدث انقطاع في ضرب الدراهم ليعاود الظهور في السنوات اللاحقة من سنة 93هـ بالجزيرة وكانت الموصل قاعدة الجزيرة .
ويعزى سبب أنقطاع وأختفاء الدراهم .
هو أن مدينة واسط أصبحت المركز الرئيسي لضرب النقود في العراق .
وأغلب الظن أقتصر ضرب النقود على الفلوس النحاسية في معظم دور الضرب إلاّ القلة منها .
حيث بعد أن بنى الحجاج بن يوسف الثقفي مدينة واسط وأنتقل إليها أتخذ فيها داراً لضرب النقود .
وكشفت لنا الوقائع التاريخية إلى أن أول درهم أموي ضرب في واسط سنة 83هـ .
وأرتفعت مكانتها بحيث فقدت دور الضرب في المدن الاخرى أهميتها وقل الضرب فيها .
وأصبحت واسط المدينة الوحيدة التي أستمر الضرب بعد إيقافه في مدن العراق مما تقدم نجد أن أغلب المؤرخيين أشاروا إلى أن الضرب أقتصر على مدينة واسط في فترة حكم الخلفاء الأمويين نتيجة أهتمامهم بها .
وأستمر الضرب فيها حتى السنة الاخيرة من خلافتهم سنة 132هـ .
أن الدراهم الفضية التي ضربت بالموصل تكاد أن تكون قليلة وهي نادرة في الوقت الحاضر .
حيثُ لم يتم العثور إلاَ على القليل جداً منها .
وربما أكتفى ولاة الموصل بضرب الفلوس النحاسية وكان لهم حق الضرب أكثر من غيره .
ونرى أن أنقطاع أو قلة ضرب الدراهم بالموصل يعزى لعدة أسباب أذا صحّ لنا الأعتقاد بإن الضرب كان قليل أو يكاد أن يكون معدوم .
ومن هذه الأسباب :- 1.
قلة مناجم معدن الفضة بالموصل .
أما الجزيرة فكانت ساحة منازعات ومن الصعب حصول والي الموصل على معدن الفضة من هذه المنطقة .
2.
لم تكن الفضة متدوالة في الحياة اليومية بل كانت تحفظ كذخيرة أقتصادية .
فلهذا نجد غالباً مايصلنا مسكوكاتها وهي بحالة جيدة .
وهذا يدل على الاحتفاظ بها أكثر من تداولها.
3.
أقتصر ضرب الولاة على الفلوس النحاسية .
لأن النحاس كان متوفراً وبامكان الوالي التصرف به ما يشاء .
4.
كان معدن الفضة يجلب من الأقاليم المجاورة .
وكانت تكلفته إلى حين وصوله وصناعته كنقود مكلفة .
ولم يكن للوالي صلاحية جلبه ليتسنى له ضرب النقود التي يريدها .
5.
بعد المكانة التي أتخذتها مدينة واسط في ضرب النقود أقتصر الضرب فيها .
مما أثر على بقية مدن ضرب العراق ومنها مدينة الموصل .
أما الفلوس النحاسية فقد ضربت بأوزان وطرز مختلفة .
وكان للولاة الأمويين المحليين حق أصدار وضرب المسكوكات النحاسية .
إذ كانت قيمته المّعارف عليها تختلف من مدينة إلى أخرى .
ولم يكن للفلس وزن ثابت مثل الدينار والدرهم .
وكانت الفلوس للأستعمال المحلي لشراء الحاجات اليومية البسيطة .
وكان العرب منذ فجر السكة الإسلامية المعربه .
كانوا يعنون بالعملة النحاسية عنايتهم بالعملة الذهب والفضة .
ففي العهد الأموي أتبع نظام المعدنين الذهب والفضة مثلا ً في مصر .
بينما في عصر المماليك أتبع نظام المعدن الواحد وهو النحاس .
وكانت الفلوس النحاسية لديهم هي النقد الرئيسي الذي تقوم به الاسعار للبضائع والحاجيات اليومية المعاشية .
ويأخذونها من خراج الاراضي وعشور أموال التجارة السائدة بينهم .
لقد أمتازت الفلوس النحاسية الأموية بعدة مميزات .
ومنها أنها لم تكن ثابتة الوزن والقطر والسمك .
وكانت نصوصها المنقوشة عليها تحمل الشهادتين ( التوحيد والرسالة المحمدية ) وكذلك لم تكن قراءة هذه النصوص سهلة في البداية كما هو منقوش في عملات الذهب والفضة .
ولم تكن على درجة واحدة من الضرب .
فمنها السليمة الضرب ومنها غير سليمة الضرب .
ومنها ذات الضرب المزدوج والضرب المتكرر .
ومنها لم تكن مصورة بل ذات نصوص كتابية .
ومن أهم مميزاتها كانت نصوصها الكتابية بالخط الكوفي غير المنقط الذي أستمر حتى زوال الدولة الأموية .
لقد تنوعت الفلوس النحاسية التي ضربت بالموصل في هذا العهد .
ليس من ناحية النصوص الكتابية المنقوش عليها .
لأنها بالأساس تحمل الشهادتين .
بل من ناحية أخرى وهي ناحية مهمة جداً يجدر الوقوف عليها والأهتمام بدراستها .
لكونها تعطينا فكرة واضحة عن تطور صناعة وسك النقود للفترات المتوالية الذين تعاقبوا على حكم الموصل وهذه الناحية هي ( وجود أسم الموصل على الفلس أو عدمه وتاريخ الضرب وأسم الأمير ) ورغم هذا التنوع في النمط والطراز إلاّ أنه لم يؤثر على أصل الفلس .
ويمكن تقسيم الفلوس النحاسية التي ضربت بالموصل إلى أربعة أنواع وهي :- 1.
النوع الأول : يحمل أسم الموصل .
لكنه من دون تاريخ الضرب .
جاء في طوق هذا النوع عبارة ( بسم الله ضرب هذا الفلس بالموصل جّار ) ويعتقد المختصين بعلم النقود بأنه ضرب مابين السنوات (86هـ -96هـ ) .
2.
النوع الثاني : يحمل أسم الموصل وتاريخ الضرب .
جاء في طوق هذا النوع عبارة ( ضرب هذا الفلس بالموصل سنة سبع وتسعين ) .
3.
النوع الثالث : يحمل أسم الأمير ( الوالي) وأسم الموصل .
لكنه من دون تاريخ الضرب.
جاء في هذا الطوق عبارة ( بسم الله أمر الأمير يحيى بن يحيى بالموصل) .
4.
النوع الرابع : يحمل تاريخ الضرب وأسم امير الموصل .
ولكنه من دون أسم الموصل جاء في طوق هذا النوع عبارة ( ضرب سنة خمسة وعشرون ومئة – مما أمر به الأمير مروان بن محمد ) أما من ناحية النمط والطراز فيمكن تقسيم الفلوس النحاسية إلى ثلاثة أنماط أو طرز وهي : - 1.
الطراز الأول : حمل مركز الوجه للفلوس التي ضربت مابين سنة (82هـ- 96هـ ) عبارة ( الله / أحد الله / الصمد ) إضافة إلى مركز الظهر كان يحمل عبارة ( محمد / رسول / الله ) .
2.
الطراز الثاني : حمل مركز الوجه الأشكال النباتية .
ولم يحمل صوراً آدمية أو حيوانية .
مثل الفلس الذي ضربه الأمير يحيى بن يحيى ( سعفة نخيل داخل مستطيل ) والفلس الذي ضربه الامير الضحاك بن قيس ( شجرة نخيل تحمل تمراً داخل دائرة ) .
3.
الطراز الثالث : حمل وجه الفلس شكلاً مثمنا ً – ناتج عن تقاطع مربعين – مثل الفلس الذي ضربه الأمير الوليد بن تليد والامير الوليد بن بكير والأمير القطران بن أكمة الشيباني .
او شكلاً مربعاً تحيط بزواياه ومنتصف أضلاعه دوائر صغيرة أو شكل مربعين متداخلين .
وأخيراً سنلاحظ أن النقود التي ضربت بالموصل وبالأخص الفلوس النحاسية خلال فترة حكم الدولة الأموية .
قد ساهمت بوضع تاريخ أمراء الموصل .
لأن النقود أعتبرت بمثابة وثيقة تاريخية مهمة يمكن الاعتماد عليها في كتابة جانب من شواهد التاريخ ولايمكن الطعن بها لأنها حملت مكان وتاريخ الضرب وأسم القائم بضربها .
ولقد أوضحت الكثير من الأحداث مما كانت خافية على المؤرخين الذين لم يعاصروا تلك الأحداث والوقائع التاريخية .
وساعدتهم على تصويب بعض الحقائق التي ذكرت في بطون الكتب القديمة على انها صائبة إلى فترة من الزمن ليست ببعيدة .
وأستطاعت النقود أن تفندها بعد أن كانت خاطئة وربما غامضة على المختصين .
وهذا ما سنلاحظه على الفلس الذي ضرب في ولاية الامير مروان بن محمد سنة 125هـ .
الذي صحح ماتردد على لسان المؤرخين بأن ولايته للموصل سنة 126هـ .
والصحيح هو ماجاء في تاريخ الضرب سنة 125هـ.
...الرجوع
2014-03-13 - 04:31:33 PM