نقود الموصل في العهد الراشدي(11ه -40ه) ج-4-


محمد طاهر مهيدي الطائي
تداول أهل الحجاز في جزيرة العرب قبل وبعد الأسلام وأثناء نشر الدعوة الإسلامية .
الدنانير الذهبية البيزنطية والدراهم الفضية الساسانية والدراهم الحميرية اليمنية .
والتي اقرّ تداولها رسولنا الكريم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وعمل بسُنتهِ أبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) ولم يغيرّ الأمر شيّ .
ثم لم يعترض عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) لشيء منها بل أقرها على حالها .
ثم سار على سنّتهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ( رضي الله عنهما ) وكانت مدينة الموصل تخضع للأمبراطورية الساسانية في عهد ملكها كسرى الثاني ابرويز بن هرمز (590م-628م ) .
ثم خضعت للأمبراطورية البيزنطية سنة (625م-4 هـ ) وفي السنة التي زحف فيها ملكها هرقل على البلاد الساسانية .
فإستولى على الموصل وطرد الساسانيين منها فأصبحت تحت سيطرته .
وتداول أهل الموصل إلى جانب الدراهم الساسانية النقود البيزنطية .
وكان آخر قادتها في الموصل هو ( الاّ نطاق ) حتى فتحها المسلمون سنة 16هـ .
بعد الفتح العربي الإسلامي للعراق ومنها مدينة الموصل .
كان أهتمام العرب المسلمون الفاتحون في بداية الأمر هو نشر الدين الإسلامي وتوطيد الحكم في البلاد .
وبقي أهل الموصل يتداولون النقود الساسانية والدنانير البيزنطية كما تداولتها البلاد الإسلامية وفي البداية لم يعمل الفاتحون الجدد على تغيير النظم النقدية السائدة في المناطق التي حرّرها .
فإنواع النقد التي كانت متداولة في العراق وبلاد الشام ومصر كانت معروفة لهم .
إذ كانوا قد تعاملوا فيها أثناء رحلانهم التجارية كما سبق أن تعامل بها الرسول الكريم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) عندما كان مسؤولا عن تجارة أم المؤمنين خديجة الكبرى ( رضي الله عنها ) وكذلك فعل من بعده الخلفاء الراشدون .
كما تعامل بها الفاتحون حسب ماتذكر لنا كتب التاريخ وتؤكد لنا بنود المعاهدات الكثيرة التي فرضها العرب المسلمون على السكان .
إذ تشمل هذه البنود على مقادير من الدنانير الذهبية البيزنطية والدراهم الفضية الساسانية يدفعها سكان الولايات البيزنطية والساسانية السابقة .
كذلك كان الحال بالنسبة للجزية ولكن بعد تحرير مدن العراق وجد المحرّرون في ( المدائن) عاصمة الساسانيين دوراً لسك النقود .
فقاموا بنقش كلمات وعبارات باللغة العربية وبالخط الكوفي على الدراهم الساسانية التي كانت نصوصها مكتوبة بالخط البهلوي .
ولكن مانقش عليها في البداية هي كلمة ( بسم الله ) أو ( الحمد لله ) وكانت تنقش هذه الكلمات في وسط وحواشي الدراهم وسميت هذه النقود عند المختصين بـ ( النقود العربية على الطراز الساساني ) وأعتبرت هي النقود العربية الأولى .
وقد عثر على دراهم إسلامية مضروبة على الطراز الساساني في خلافة عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ضربها سنة 18هـ .
وهي تحمل عبارة ( الحمد لله ) والبعض الآخر يحمل عبارة ( محمد رسول الله ) والآخر عبارة ( لا إله إلا الله وحده ) وعليها صورة الملك الساساني وتحت الكرسي مكتوب باللغة البهلوية ( نوش خور ) أي ( كل هنيئاً ) .
وعثر على دراهم أخرى مؤرخة سنة 20 هـ واحدة منها ضربت في مدينة ( سجستان ) والأخرى ضربت في مدينة (أصطخر ) سنة 35هـ .
والأخرى ضربت في مدن وتواريخ مختلفة .
تحمل نفس الكلمات ومن نفس الطراز .
ونقشت على دراهمه أيضاً عبارة التكبير ( الله أكبر ) .
أما في خلافة علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) فدراهمه الفضية التي ضربها هي مشابهة لدراهم سلفيه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ( رضوان الله عليهم ) فواحدة ضربت في مدينة ( سجستان ) سنة 38هـ وقد نقش عليها بالخط الكوفي عبارة ( بسم الله – ربي ) والأخرى ضربت في مدينة ( الشيرجان ) سنة 39هـ وقد نقش عليها أسم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( محمد ) وضرب درهماً في مدينة ( البصرة ) سنة 40 هـ .
وكانت هذه الكلمات والعبارات التي نقشت عليها المسكوكات بالخط الكوفي .
نلاحظ إن ماكتب على النقود العربية الإسلامية الأولى .
كان بالخط الكوفي .
ويعتبر من الخطوط العربية الأولى المهمة السائدة آنذاك .
لاسيما بعد ان خرج الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) من الحجاز وأنتقل إلى مدينة الكوفة وأتخذها عاصمة للدولة العربية الإسلامية .
مما جعل أسم الخط الكوفي يطغي على بقية أنواع الخطوط.
إن التغيير الذي حصل على النقود الساسانية والنقود البيزنطية التي كانت متداولة بين أهالي الموصل آنذاك .
وهذه التطورات النقدية التي خضعت لها المدن المحررة منذ الفتح العربي الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين .
كان لابد أن تتأثر وتخضع مدينة الموصل لهذه التطورات النقدية .
خصوصاً وأن مركز الخلافة الراشدية أرسلوا ولاة على الموصل لادارة الحكم فيها .
فكان من البديهي أن يحملوا معهم أو يردهم نقوداً عربية على الطراز الساساني أو على الطراز البيزنطي يتم تداولها في البلاد .
ولم يكن بأمكان هؤلاء الولاة أن يضربوا نقوداً بالموصل .
لأنه في البداية لم يكن هناك من له صلاحية بأن يقوم بهذه الوظيفة .
وليس هناك مناجم للمعادن مكتشفة يمكن الأعتماد عليها لسك النقود .
ولم يكن لديهم من المختصين لمن يقوم بهذا العمل الفني .
إضافة لذلك أن الحاجة للنقود لم تكن حاجة كبيرة لها لغرض تداولها.
لذا نجد أن الولاة الذين أوفدوا على مدينة الموصل من قبل الخلفاء الراشدين .
كان طابعهم وعملهم القيادي والإداري .
ذات طابع عسكري .
وكان أهتمامهم الرئيسي هو نشر الدين الإسلامي وتوطيد إدارة الحكم فيها .
ولم تكن مسألة ضرب النقود في ذلك تعنيهم بشيء وفق المسؤوليات المناطة بهم .
ولأنها بالأساس تعني مركز قيادة الخلافة الإسلامية في الحجاز ومن بعدها بمدينة الكوفة العاصمة الجديدة للخلافة .
وكان التأثير في تداول النقود بقدر ما يحصلوا عليه ويردهم من هذا الطراز ويتعاملون ويتداولون به.
ومن خلال الشواهد والوقائع التاريخية التي أعقبت فتح الموصل .
نجد بأن أحد اهم نتائج الفتوحات العربية الإسلامية هي ( الهجرة الجماعية الإستيطانية من الجزيرة العربية والسكن والأستقرار في المناطق المحررة ) وفيها الموصل – ذات الارض الخصبة والموقع التجاري المهم - فجرى تخطيطها على أساس قبلي .
وخصص لكل قبيلة حيّ من الأحياء.
ومن نتائج الفتوحات الاخرى هي ( خلقت ظروف مختلفة – عسكريا وسياسيا وإجتماعياً وأقتصادياً – أدت إلى تغيرات كبيرة بالنسبة لكمية النقود المتداولة في أيدي العرب الفاتحين .
فالضرائب والوارادات التي كانت تجبى من سكان البلاد المفتوحة أضافة للغنائم في ميدان الفتوحات .
جميع هذه الواردات لم تعد تذهب إلى عاصمة بلاد فارس أو القسطنطينية بل بقيت تساهم في تنمية المنطقة بفضل السيولة النقدية التي أصبحت متداولة .
وكان لديوان العطاء الذي أنشأه الخليفة عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) بعد أن أعطى لكل فرد مسلم بالغ قدراً معلوماً من المال .
الأثر الهام في توجيه الدولة نحو سك المسكوكات لتداولها وتوزيعها لما في ذلك من ربح وقد كان المستفيد الاول من ديوان العطاء الذي عم الرخاء نقداً هم الفاتحون .
كما أستفاد من ذلك سكان المناطق المحررة من ذلك النظام .
إذ بقيت النقود متداولة أو جرى توظيفها في مشاريع وكان مردودها بالدرجة الأولى لأهل البلاد خلافاً لما كان يجري في الفترة البيزنطية والساسانية .
إذ كانت الضرائب تؤخذ من السكان وتعود بالرخاء على القسطنطينية وبلاد فارس.
...الرجوع
2014-03-13 - 01:12:49 PM