مراحل التطور السوقي في الموصل قديمأ


عبد الجبار محمد جرجيس
في الموصل منذ نشأتها بدأت الحياة التجارية فيها.
فكان لها أعداد كبيرة من الأسواق ذات الطابع الشعبي المتميز فيها.
عرفت هذه الأسواق أوائل العصر الإسلامي.
حيث تشير المصادر إلى اهتمام الأمويين بهذه الأسواق.
وخاصة (سعيد بن عبد الملك) الذي بنى فيها سوقا جديدة عرف في حينه باسم (سوق سعيد).
كما كان فيها (سوق الأربعاء) الذي بناه (الحر بن يوسف الأموي) سنة (121هـ / 738م).
بالقرب من دار الأمارة التي عرفت (بدار المنقوشة) والتي سكنها الولاة الأمويين.
وممن سكن فيها سنة (107هـ / 725م) هو الحر بن يوسف.
حسبما يشير إلى ذلك المرحوم الأستاذ سعيد الديوه جي.
وبقى السوق يعرف بهذا الاسم إلى سنة (846هـ / 1442م).
كما تشير المصادر عن حدوث فيضان في نهر دجلة.
وغمرت مياه الفيضان الكثير من الأسواق.
ومنها سوق الأربعاء وموقعه كان موقع الجسر القديم (الجسر الحديدي الحالي) إلى سوق الميدان والى قرب مدخل سوق النجارين مقابل شارع الملك غازي حاليا.
ذكره (البشاري المقدسي) بقوله: وداخله فضاء واسع.
.
يجتمع به الأكراد والحواصيد.
وعلى كل ركن فندق.
أما في العصر العباسي فقد كان سوق (الداخل) أو سوق البزازين في المنطقة التي تعرف الآن بمنطقة (الكوازين) القريبة من الجامع الأموي.
وهو أول جامع بني في الموصل سنة (16هـ / 637م).
ذكرى (الازدي) في تاريخ الموصل (وهو الشيخ أبو زكريا بن يزيد بن محمد بن اياس بن القاسم) المعروف بالازدي بقوله: (وان أسواق الموصل كان حولها جامعها) وهذا مما يشير إلى توسع الموصل وتنوعها في ذلك العصر.
ومكان هذه الأسواق كان في الساحة المقابلة لجامع المصفي حاليا.
أو ما يعرف بأرض الصحراء.
أما في العصر الحمداني.
فقد تطورت التجارة في الموصل وازدادت أهميتها وأصبحت الموصل مركز تجمع وتفريغ المواد الغذائية.
وكانت العلاقة الاقتصادية بينها وبين بغداد وثيقة.
إذ كانت الموصل سوقا لبغداد وتموينها لفترة تزيد على الأربعة أشهر سنويا.
إذ أن السلع الموصلية كانت تشحن إلى بغداد بواسطة القوافل التجارية البرية.
أو عن طريق النقل المائي.
أي عن طريق النهر.
ومن أهم المواد التي تصدرها الموصل هي (الطعام) مثل الحنطة والشعير والدقيق.
فضلا إلى المواد الغذائية الأخرى.
مثل العسل والجبن والشحوم والمن والسماق وحب الرمان والفحم والخشب والقير.
أو السلال والسكاكين وبعض الثياب.
في حين كانت الموصل تستورد من بغـداد الزجاج والأدوية والعطور والثياب والمواد الأخرى.
كما جاء في المصادر أن في سنة (324هـ / 935م) أرسل الحسن بن عبد الله الحمداني مائة كر دقيقا ليفرق بسامراء وبغداد.
كما وصلت من الموصل سفن فيها سلع للتجار أيضا.
أما في سنة (327هـ / 938م) انف ناصر الدولة من الموصل إلى بغداد زوارق فيها دقيق وشعير.
واستمرت سلع الموصل ترد إلى أسواق بغداد.
وفي عصر السلاجقة أصاب الموصل الخراب والدمار حتى تدهورت التجارة في الموصل نظرا للاضطرابات التي كانت سائدة.
والصراعات الداخلية.
والحروب التي أثيرت في تلك الفترة والتي تعرضت لها المدينة إلى الفتن والمحن.
إلا أن الحياة دبت شيئا فشيئا.
وقد تحسنت أوضاع الموصل الاقتصادية.
ومارس الزراع نشاطهم.
فانتعشت التجارة.
وعادت الموصل مركز تجاريا مهما.
وأصبحت الموصل تصدر منسوجاتها الحريرية والقطنية والصوفية.
إضافة إلى التحف والفخاريات والزخرفيات المتنوعة.
وكانت الأحمال تصل إلى البحر الأبيض المتوسط.
وكانت المنسوجات تصل إلى الأسواق العالمية.
وخاصة أوربا.
وبرزت صناعة النسيج.
وأشارت المصادر التاريخية أن في الموصل كان سنة (1261هـ / 1845م) زهاء (75) ألف (نول) للحياكة و (908) من الخانات التي تستخدم للحياكة.
من صبغ ودق وقصر ونقش وتجارة وتصدير مع (36) سوقا و(120) ميسادية و (40) مسلخا وآلاف الحوانيت.
أما في العهد المغولي وما أصابها من اثر الاحتلال والاستعباد.
فقد تعرضت الموصل إلى انكماش تجارتها وكساد أسواقها.
ودمرت مبانيها.
وأصبحت شبه خراب.
واستمر ذلك إلى ثلاثة قرون.
إلى أن استولى عليها العثمانيون وأصبحت ضمن أملاك الدولة العثمانية.
وعاشت الموصل أيضا في فوضى تجارية وشيوع الضرائب والإتاوات التي كانت تفرض من بعض القبائل أو العشائر على الأغنام أو المرور أو ضريبة القوافل التجارية.
وفي أغلب الأحيان كانت القوافل التجارية تتعرض إلى النهب أو السلب.
بعد انتقال الموصل إلى الحكم المحلي (ألجليلي) للفترة من (1718م – 1836م) والذي تميز هؤلاء الحكام الموصلين بحسن تدبيرهم ورعايتهم لمصالح المواطنين.
فنشط الجانب الاقتصادي.
وتطورت الحرف الصناعية.
مثل النسيج والحياكة والخياطة والحدادة ودبغ الجلود.
فكان هذا عاملا مهما لانتعاش السوق التجارية فعدت الموصل مركزا تجاريا مهما لتصدير المنتجات المحلية.
ألا أن بعد فتح قناة السويس أمام الملاحة العالمية في سنة (1286هـ / 1869م) كان لها الأثر في إبطاء هذا التقدم التجاري.
فهبطت صادرات الموصل إلى تركيا حيث بلغت في سنة 1302هـ / 1884م – 1303هـ / 1885م) إلى (39) ألف جنيه إسترليني.
وسرعان ما عاد نشاطها بعد عشر سنين وارتفعت صادراتها إلى أضعاف مضاعفة لهذا المبلغ.
وأشارت المصادر أن الصادرات إلى بريطانيا فقد بلغت (176) ألف جنيه إسترليني.
أما أهم صادراتها.
فكانت الجلود والحنطة والشعير والعدس والمصارين والحيوانات الحية.
كالأغنام والبقر.
ويشير الأستاذ عبد الباري عبد الرزاق في حديثه عن بعض أسواق الموصل في مجله (مهرجان الربيع في الموصل) سنة 1982م.
فيقولك حاولت الأسواق الأمريكية والألمانية السيطرة على صادرات الموصل من المصارين وعرق السوس.
فأسست شركة لاستخراج وكبس عرق السوس وتصديره سنة (1911م) لكنها فشلت في تحقيق ذلك.
وقد تأسس في الموصل عدة بنوك أجنبية منذ سنة (1863م).
لتقوم بالأعمال المصرفية.
كانت الأسواق الموصلية تستورد الأقمشة الوطنية والاجواخ والسكر والآنية النحاسية والزجاجيات من أوربا.
والشاي وأنواع الأقمشة والحلويات من الهند عن طريق بغداد.
وأصبحت الموصل سوقا لترويج السلع الأوربية.
ومركزا لتبادل السلع بين مدن ولاية الموصل المختلفة.
وهذا أدى إلى تدهور الصناعات الحرفية القديمة وخاصة صناعة النسيج.
وكان لظهور بعض الأسر الرأسمالية صاحبت الجاه والمال والنفوذ.
حيث سيطرت على الوضعية الاقتصادية والنفوذ السياسي.
ساهمت هذه الحالة بخلخلة أوضاع السوق الاقتصادية.
ورغم ذلك أخذت القبائل تعرض في أسواق الموصل الأغنام والمواشي والخيول والماعز والجمال.
وبين سنتي (1909-1910م) بلغت صادرات الموصل من الأغنام إلى سوريا ومدنها الأخرى زهاء مائة ألف رأس.
كما ازدهرت الصادرات من الجلود والماشية والفرو والعفص.
وكانت صادرات الموصل كبيرة أيضا من الجمال والماعز.
وكانت خيول الموصل الأصيلة من أجود الخيول العربية ذات السلالات الجيدة.
وبرز في الموصل من امتهن تجارة الخيول وتربيتها أمثال بيت آل النجيفي.
وآل الطالب.
وآل توحلة.
وآل الجومرد.
وغيرهم من هذه الأسر التي مارست مهنة تربية الخيول وتصديرها.
وقامت علاقات واسعة بين بعض التجار الموصل والتجار في الهند وسوريا.
ويقول الأستاذ عبد الباري.
وهذه الحركة التجارية خلال العصور كانت تحتاج إلى الأسواق التجارية التي ارتبطت بشكل أو بآخر بالحرف الشعبية الشائعة.
وكانت الحرف ذات أثر بالغ في حياة الناس الاجتماعية.
فقد كان هناك التماسك الاجتماعي الحرفي رغم احتقار بعض أصحاب المهن للمهن الأخرى أحيانا.
فان الكثير من الحرفيين.
أخذ ينتسب إلى الحرفة أو المهنة التي زاولها إلى جانب انتسابه إلى الأسرى أو العشيرة أو المدينة.
فهناك أسر عرفت بأسماء الحرف التي مارسوها.
كالصقال والبزاز والقوطجي.
والقزاز والخباز والحصيرجي.
والخفاف والقصاب.
الحائك.
الدباغ.
الملاح.
البنا.
الشكرجي.
السماك.
العطار.
النقار.
الصفار.
اليوزبكي.
الأطرقجي وغيرهم.
وكان أصحاب الحرف والمهن قد شكلوا لهم تنظيمات نقابية تجمع شملهم وتدافع عن مصالحهم وحل النزاعات التي تنشب بينهم وبين المهن الأخرى.
ولكل صنف كان يمثلهم نقيب يعرف بشيخ الصنف والأصناف مجتمعة كان لها (شيخ الأصناف).
وكان كل من هؤلاء يعد مرجعا في حالة الخلافات والمنازعات حول أية مسألة من المسائل.
هذا وان الأسواق قد تميزت في طراز البناء.
ونوعية الحرفة والعمل.
وغدا أصحاب المهنة الواحدة كأنهم أسرة واحدة محددة فيما بينها.
وبرزت عدة أسواق.
سوق باب السراي.
الشكرجية.
الصفارين.
الحدادين.
السمكرية.
القصابين.
الجبالين.
الصوافة.
سوق الفحم.
التبن.
الأرامل.
اللحم وغير ذلك من الأسواق ومسمياتها.
لكن الذي يجمع هذه الأسواق حرص فشئها على إزدهار هذه السوق والمحافظة على تراثها.
كما تميزت بعض الأسواق بفنها المعماري المتميز وتراثها الخالد.
وبدت متماسكة في الحرص على أنماء الحركة الاقتصادية في المدينة.
فالأسواق القديمة التي بادت بقيت محفوظة في متون الكتب.
أما الأسواق الأخرى فقد حافظت بعض هذه الأسواق على نسيجها الاجتماعي ووعيها الحرفي.
في حين أصاب البعض منها التطور والتنوع وممارسة نشاطات أخرى.
أدت بالنتيجة إلى تغيير التركيب البنيوي للسوق.
وهذه المقدمة الكبيرة تتطرق إلى الأسواق الموصلية وكيف كانت.
وما حدت إلى عهد (1985م).
أما الآن فقد لا ينطبق السرد التراثي أو التفصيل التاريخي لبعض هذه الأسواق.
فنحن إذن نتكلم عن تراث الأسواق الماضي الذي يجب أن تحفظه متون الكتب.
أما الآن فالحاضر موجود.
المشهد منظور.
وما على الباحث أن يرسم الواقع ويثبت الحاضر ويكتب للأجيال.
...الرجوع
2014-03-10 - 07:11:29 AM