شارع النجفي:الازدهار.. الانهيار ..التجاوز ج-1-


انور عبدالعزيز
هو أقدم من أربعينيات القرن الماضي ولكنه منذ الأربعينيات عرف بشارع العلم والمعرفة والثقافة وحاز – وبأمتياز - على تسمية شارع المكتبات .
.
أرتبط هذا الشارع بكل ما يتعلق بشؤون القراءة والكتابة والورق والأقلام والطباعة والتصحيف والخط .
.
لم تكن حركة المطابع تتوقف فيه لتوفر للقراء الكتب والصحف وفي مختلف النشريات وتخصصات المعرفة .
.
من أشهر وأهم تلك المطابع : أم الربيعين والهدف والاتحاد والزهراء والجمهورية .
التي كانت تنتشر في الدروب الحلزونية المتفرعة عن الشارع الرئيس .
.
ورغم أن المرحلة كانت سنوات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات وحتى مطلع السبعينيات من القرن الماضي .
فأن أكثر من صحيفة ولدت في تلك الأزقة في مبانٍ صغيرة ضيقة .
.
ولدت ونمت وتطورت وأستمرت لسنين ومنها ما تواصل ولكن أغلبها يتوقف عن الصدور لعوائق مادية ولأسباب غيرها .
.
حفل الشارع بعدد من الخطاطين كان منهم محمد صالح الشيخ علي ومن بعده ولده زهير في رأس أحد الأزقة المتفرعة عن الشارع .
ومنهم (نوري سعيد) ذلك الرجل الكهل بسدارته العتيقة ودكانه الضيقة التي كانت أشبه ما تكون بحفرة من مترين في الجدار .
.
دكانه أو محله في وسط الشارع على الجهة اليمنى للقادم إلى الشارع من ساحة صقور الحضر كنت ترى فوضى الألوان والأصباغ والفرش وقطع الكارتون متجمعة على منضدة خشبية عتيقة .
.
.
كان يبدو ضجراً من الحياة ومن نفسه وربما كان السبب معاناته من أشكالات في السمع .
.
.
من مستلزمات صناعة الكتب بعد أن تخرج من المطابع هو التصحيف والتجليد إذ كان العديد من مقتني الكتب حريصين على كتبهم أعتزازاً بها ولأدامتها لعمراً أطول بالإضافة إلى تجليد ما عندهم من مجلات بأعداد مختلفة ولسنوات ولتجميعها بمجلد واحد يحفظها من التلف أو الضياع .
فكانوا يأتون بها للمُصّحف (محمد قاسم) .
.
ذلك الرجل القصير النحيل بزبونه التراثي معتمراً طربوشاً أصفر .
.
كان رجلاً هادئاً صامتاً مخلصاً لحرفته وبما يحصل عليه من رزق حلال .
.
محله يقع في منتصف الشارع في الجهة اليمنى للقادم من شارع نينوى .
.
كنت أعجب كيف يستطيع هذا الرجل العمل ومع ضيق محله ومحدوديته والذي هو أيضاً أشبه بحفرة في جدار .
.
رحمه الله .
.
مُصّحف آخر هو عبد الله محمود كان في أواسط عمره أشيب محله بين (مكتبة الأهالي) و (المكتبة العربية) ومُصّحف رابع كان شاباً في عمره في مدخل الزقاق من مسجد العباس .
كان محله بقرب المقهى الصغيرة الآن لصاحبها قيس (أبو ليث) وكان أسمه فوزي الراوي كان لطيفاً ودوداً حسن المعاملة مع الزبائن قانعاً بما يحصل عليه من ثمرات جهده وكان حريصاً على أن يرضي الزبون بتجليد جيد يمكن أن يطاول الزمان لسنين .
.
.
الشارع كان كله مكتبات ودكاكين القرطاسية محدودة .
.
مكتبة الأهالي وصاحبها عبد الرحمن النصار (أبو العوف) .
.
ذلك الجنوبي العصامي الذي بدأ-وكما ذكرت في مقال سابق- صبياً يبيع المجلات القديمة على الرصيف أو متجولاً بها في مقاهي وكازينوات المدينة منها كازينو طاهرو الصيفي في بداية شارع حلب من جهة المحافظة الآن وكذا في مقهى (عبو قديح) والبلدية وأحمد باري وغيرها من المقاهي .
.
أبو العوف تواصل مع مهنته وبكل خبرة وذكاء وحسن تعامل مع زبائنه دون طمع حتى أصبحت (الأهالي) من أشهر المكتبات في المدينة وملتقى لجلوس شخصيات المدينة من السياسيين والمحامين والمدرسين والمعلمين والصحفيين والأدباء وحتى من الطلبة الذين كان يراعيهم في شراء الكتب لمعرفته بمقدراتهم المادية المحدودة .
.
في نهاية سنواته أضاف لمكتبته مرفقاً آخر .
.
هو سرداب فسيح في العمارة المحصورة في زاوية ملتقى الشارع بشارع خالد بن الوليد .
.
الملحق هذا كان مخصصاً للمراجع والمصادر المهمة بأجزائها المتعددة وبكتب التراث الأثيرة وهذا مما جعل الأخ عبد الوهاب محمد علي –الدكتور حالياً- يعاونه في تنظيمه – حباً وأعتزازاً بالمعرفة وتقرباً من مصادر الثقة ورائحة الكتب – ومن المكتبات الشهيرة أيضاً (العربية) لصاحبها عبد الرحمن كركجي و (الأمل) و (العصرية) و (الأمين) و (التجارية) و (العسلي) التي كانت أكثر تخصصاً بالقرطاسية .
أما أشهر مكتبي فهو أزهر الطائي الذي كان شريكاً في (مكتبة بسام) في الستينيات .
بعدها أنتقل لأفتتاح مكتبة في الدواسة بجانب (ستوديو صباح) و (صيدلية عبد الجبار) وبمعية أخيه معمر الطائي سماها (مكتبة الطائي) .
.
أزهر الطائي ولعقود من السنين كان هو الوكيل الرسمي الوحيد المعتمد لتوزيع الصحف والمجلات العراقية والعربية في الموصل .
أما ما كان غير منسجم مع ملامح هذا الشارع المكتبية فهو محل تصليحات الراديو لصاحبه أحمد وهو مجاور لمكتبة الأمل .
.
وأيضاً صيدلية عبد الموجود .
.
ومحل ضيق صغير بجانب الصيدلية لتصليح وإعادة الحياة لأواني وصحون الخزف المكسورة التي ربما كانت عزيزة على أصحابها أو ممن لا يقدرون على شراء الجديد بعد تحطم القديم .
.
كان يعالجها ويعيد إليها الحياة بخياطتها بأسلاك أو باللحام .
.
بجانب هذا المحل كان (ستوديو صبحي) .
.
وعوداً لذكر المقاهي فقد عرف هذا الشارع أو بدايته من شارع نينوى (مقهى عبو قديح) الذي أشغل الطابق السفلي لبناية (مدينة المعارف) القديمة كان عبو قديح ذلك القهواتي الأشقر وبأنفه (المقجوم) ودشداشته وجوربه الذي لا يتخلى عنه حتى في الصيف يفخر بصندوقه الحاكي (علامة أبو الكلب) وبأنه يمكلك ألف أسطوانة تحوي قراءات متنوعة للقرآن الكريم وللمقامات والأغاني الجادة والساخرة للمطربين القدامى فقط .
ولأغاني البادية أيضاً وخصوصاً لجبار عكار .
وهو لم يكن يسمح حتى لمحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش ألا لأغانيهما القديمة لتضاف لأغاني وأدوار وطقطوقات سيد درويش وسلامة حجازي وعبده الحامولي وصالح عبد الحي وكذا لحسن حيوكة والقبانجي ويوسف عمر وأحمد بن الكفغ ولم يكن يستسيغ ناظم الغزالي ويعتبره خارجاً على أصول المقامات ومع كل مديحه للحاكي – رغم سماعة عصرية ملحقة به – فأن أبرة الحاكي المثلومة مع عديد من (قواناته) المشروحة لم تكن – في النهاية – تسمع غير صخب وهسيس غير واضح لا في الكلمات ولا في اللحن .
.
ولكن من كان يتجرأ أن يعيب ذلك الحاكي وتلك القوانات ويقلل ويشكك في قيمتها ؟! ومن معالم شارع النجفي بعض الباعة القرويين المتنقلين : منهم بائع للعسل الطبيعي والأشهر بائع (السعد) كان عديد من ناس ذلك الزمان يحبون (السعد) ويقبلون على شرائه بخمسة فلوس وعشرة وليس أكثر .
ولكن ما كان يؤذي ويزعج بائع السعد هو الأذى الذي يلحقه به المشاكسون من الصغار في التصدي له ومواجهته بأغنية كانت معروفة يرددونها بوجهه كغنائية : (يابو السعد سعدكم حلو .
.
.
طويل ودندلو) .
.
فكان ينهرهم فأن لم ينفع النهر يلاحقهم ولربما تناثر منه بعض السعد في ملاحقته .
.
وأحياناً كان يهجر الشارع ناقلاً بضاعته لشارع نينوى الذي لم يكن فيه حاله مع الصغار أفضل .
.
.
في مطلع السبعينيات وتحديداً سنة 1971 ولمناسبة المهرجان الألفي لأبي تمام .
والذي كان مهرجان فرح للمدينة وأهلها وهم يلتقون بأكثر من 300 عالم وأديب وشاعر من العراق وبلدان الوطن العربي والأجانب كان من بين أعضاء الوفد العراقي أستاذي الناقد علي جواد الطاهر الذي درسني في دار المعلمين العالية للفترة 1957-1961 .
.
قضيت مع الراحل العزيز خمسة أيام هي من أحلى أستذكاراتي الآن .
.
طلب مني الطاهر أن أصحبه لزيارة شارع النجفي وبعض الأسواق التراثية القديمة .
.
في شارع النجفي بدا الرجل مندهشاً من أهمية الشارع ومكتباته عندما وجد (التخصص) أو ما يشبهه في هذه المكتبات .
.
مكتبة كانت متخصصة في كتب التراث فقط .
.
أخرى في المعاجم والقواميس .
.
ثالثة في الكتب الأجنبية فقط .
.
رابعة في بيع إصدارات الكتب المصرية .
.
سلسلة (إقرأ) .
سلسلة كتابي لأحمد حلمي .
سلسلة كتب (دار الهلال) .
.
كتاب الهلال .
روايات الهلال مصرية أو مترجمة .
بالإضافة لما يصدر عن الدار من مجلات متنوعة مع مكتبات كانت شبه متخصصة بكتب (دار العلم للملايين) بيروت .
و (دار اليقظة العربية) بدمشق والتي ترجمت غالبية روايات وقصص العهد القيصري الروسي بترجمات أمينة لتولستوي وغوركي ودوستوينسكي وتشيخوف وبوشكين وتورجنيف و .
.
Ùˆ .
.
مضافاً لها ترجمات مختلفة رائعة لأدباء أوربيين : فلوبير وموباسان وديكنز وبلزاك وبرناردشو .
.
ومعها ما كانت تصدره بيروت من كتب في سنوات الضجيج للفسلفة الوجودية .
.
لسارتر وسيمون دي بوفوار وكولون ولسون وآخرين .
وهذه كانت غالبيتها تصدر عن (دار الآداب) لصاحبها سهيل أدريس مع ما كانت تنشره مجلته العتيدة (الآداب) من شعر وقصص ومقالات مؤيدة للتيار الوجودي في الأدب والثقافة وتأثير الدار والمجلة كانا كبيرين على العديد من المثقفين والأدباء العراقيين والعرب عموماً وخاصةً في الستينيات إذ كانت موجة صاخبة جرفت معها الكثيرين الذين منهم من بقي متأثراً بها في سنوات لاحقة ومنهم من هجر أفكارها وطرائقها الكتابية إلى الأبد .
.
وعن حالات أخرى للكتب : فحتى الصبيان والمراهقين كانت لهم كتبهم .
.
كان ثامر – وهذا هو أسمه – في مكتبة صغيرة برأس الزقاق المؤدي حالياً لمكتبة الجيل العربي لصاحبها المحامي والباحث ذاكر خليل العلي .
.
ثامر هذا – وكانت تبدو عليه حالة من الكآبة المرضية – كان يؤجر القصص البوليسية (أرسين لوبين) و (شارلوك هرلز) وغيرها وكذا كراريس الحكايات الشعبية المستلة في غالبيتها من (ألف ليلة وليلة) كقصة (الحمال والبنات السبعة) و (مريم الزنارية) و (تودد الجارية) وأخريات بالإضافة لقصص الحب : (عنتر وعبلة) و (المياسة والمقداد) .
.
ثمن التأجير ولمدة أسبوع عشرة فلوس ليس أكثر .
.
وثامر هذا أيضاً كان له عمل إضافي في الليل .
.
كانت له (كابينة) صغيرة في محطة القطار مزدانة بعديد من المجلات المصرية القديمة كالمصور والأثنين وآخر ساعة والكواكب وغيرها يقبل عليها المسافرون لبغداد بشرائها بعشرين فلساً وأقل .
كان المسافرون يقضون بهذه المجلات ومتعة القراءة على ضجر طول الطريق لبغداد والذي يستغرق أكثر من عشر ساعات ومع حالات التعب .
.
ويبدو أن (الكابينة) كانت مربحة بدليل استمراره فيها لسنوات عديدة.
...الرجوع
2014-03-10 - 05:52:26 AM